محمد أبو زهرة
1422
زهرة التفاسير
المؤمن على القتال وهو يعلم أنه يفوز بإحدى الحسنيين : الشهادة أو النصر ، وكلتاهما غاية الطلب . فالآيات تساق لمقاصد سامية منها إلقاء البشرى ، والتسلية والتعزية ، فقد بيّن اللّه سبحانه أن ما أصاب المسلمين في أحد قد أصاب المشركين مثله ، وفي ذكر ذلك دعوة إلى تجديد الجهاد بقلوب مستبشرة ، ونفوس مطمئنة ، فقال تعالى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ . القرح بفتح القاف : الجرح ، وبضمها : الألم الذي يترتب عليه ، وقال الكسائي والأخفش : اللغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره ، وبهما قرئت الآية « 1 » ، ولقد جاء في المفردات للأصفهاني : ( القرح الأثر من الجراحة من شئ يصيبه من الخارج ، والقرح أثرها من الداخل ، كالبثرة ونحوها ) . فالقرح على هذا أثر الجراحات في الظاهر ، وبالضم أثرها في الباطن وإذا كان القرح هنا معنويا ، فيصح أن نقول : إنه بالفتح ما يعقب المعركة من ألم واضح للهزيمة ، وهو بالضم الغم والحزن الذي يستولى على النفوس حتى يكون النصر من جديد ، وإن الظاهر هنا أن الفتح أوضح ؛ لأن اللّه عبر عن أثره بأنه مس فقال : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ والمس إنما يتناول الظاهر فقط . والقرح الذي أصاب المشركين هو يوم بدر ، وما أصاب المسلمين هو يوم أحد ، وقد قرر الزمخشري أنه يجوز أن يكون القرح الذي أصاب المشركين هو يوم أحد ؛ لأن المشركين قتل منهم عدد ، فكان فيهم مقتلة كما في المسلمين فقد قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ « 2 » بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ . . . ( 152 ) [ آل عمران ] .
--> ( 1 ) قرأها بضم القاف : حمزة والكسائي ، وخلف وأبو بكر . وقرأ الباقون بالفتح . [ غاية الاختصار لأبي العلاء الهمداني : ج 2 ص 453 ] . ( 2 ) تحسّونهم : تقتلونه .